محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

297

أخبار القضاة

خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً في آي من القرآن كثير حتى قال : هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ولعمري ما فعل القوم ما فعلوا من ذلك عبثا ، ولا بطرا ، ولا لعبا ، ولا لغوا ، ولكنهم نظروا فأبصروا ، وأبصروا فأنصفوا ، وأنصتوا وهربوا ، وأدركوا وادّاركوا فنجوا بعد ما شفّ الهرب والطلب أجسامهم ، وغبر ألوانهم ، وأسهر ليلهم وأحمض نهارهم ، وكف ألسنتهم ، وأسماعهم وأبصارهم ، وجوارحهم ، عن مظالم الناس ، وسائر معاصي اللّه ، وحتى قتل الهم والطلب كثيرا منهم على البيع الذي بايعهم اللّه به ، واشتروا به أنفسهم منهم ، فأحياهم بقتله إياهم ، فربحوا كثيرا وأنالوا جسيما ، وفازوا فوزا عظيما ، وانقلب باقيهم بنعمة من اللّه وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان اللّه واللّه ذو فضل عظيم ، قرت العيون في ولايتهم وقوماتهم وعيشهم علينا ، وسكنت له النفوس فاطمأنت له القلوب ، وعز لذلك عند فراقهم فقدهم ، وحسب البلاد ومن بعدهم ، فطوبى لتلك الأرواح الطيبة أرواحا ، وطوبى لتلك الأجساد الطاهرة أجسادا ، وطوبى لمن تبعهم بمثل عملهم وكان لهم تابعا ووليا ، وطوبى لهم ، ما أحرص المسارعين إلى الخيرات على اتباعهم ، وأقل التابعين لهم بمثل هديهم ، وسيرتهم ، وأعزبهم فيمن هو بين ظهرانيه من الناس ، وأولئك كانت النوائب فيهم نوائب الدهر ، هي النوائب حق النوائب ، فأولئك عليهم من ربهم الصلوات والرحمة ، وأولئك هم المهتدون فبهداهم وسيرتهم فليقتد المقتدون ، وبهديهم فليهتد المهتدون . وإن قيام أمير المؤمنين بهذه الخلافة وافق من الناس جهدا جاهدا ، وعظما كسيرا ( وصحا تهتكا « 1 » ) ورأوا رجاء منهم عظيما ، وأملا له وتأميلا منهم فيه سديدا أن يكون لهم إماما عدلا ، وحكما مقسطا يهدي فيهم بمثل هدي أولئك ويسير فيهم بمثل سيرهم ، فيؤتى بمثل أجورهم أجل الفوز العظيم ، إلى الدرجات العلى في جنات النعيم ، وعاجلا من التمكين ، والنصر والفلاح ، والعافية والسلامة والمحبة من رعيته ، والنصيحة منهم بعطفه عليهم ورأفته بهم ورحمته لهم وإنصافه إياهم ، وإشباعه عليهم ، حتى يجبر اللّه منهم العظم الكسير ، ويسد به حاجتهم وخلتهم ، وقد ( بحمد اللّه ) رأوا من ذلك تباشيره ما قرت به العيون ، وثلجت به الصدور ، ورجوا به تمام ذلك وتمام نعمه عليهم ، ولعمري يا أمير المؤمنين فالأمر في هؤلاء الناس لمن وليهم ، العائد عليهم لنفعه ، السعيد هديه الذي لا مصرف له عنه إلى ما هو خير له منه في دينه ودنياه ، بل الذي لم يول أمورهم إلا بالعدل فيهم وإقامة الحق بينهم عليهم ولهم ، وما منزلته التي استخلفه اللّه فيهم إلا كمنزلة الوالد الرؤوف الرحيم لولده ، والحريص على رشدهم وريبهم ، العزيز عليه عيبهم ، وفسادهم ، العفو عن سببهم ، الساتر لعورتهم ، الآخذ بما لا يجمل تركه ، وما منزلته فيهم التي يقوى بها على أمورهم ، إن شاء اللّه ، إلا منزلة من لا يقر به إليه ولا غنى به عنه ، وقد آتى اللّه أمير المؤمنين من سلطان النعمة لدينه ، والمعونة له والحجة عليه خصالا عظمت بها المنة عليه ،

--> ( 1 ) فإما أن يكون معناها : تمزّقا في صفوف المسلمين ، أو أمراضا فتكت بهم . وقد تكون : صفّا متهتكا لكن لم ينتبه لها المحقق - المراجع .